جيرار جهامي ، سميح دغيم

107

الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )

فعلى المستوى « الإنساني » نجد البعد الميتافيزيقي للحرّية الباحث في مفهوم الإرادة وعلاقة الفرد بخالقه ؛ كما البعد الإنساني نفسه والمتمثّل في اختيار الإنسان لأفعاله وما يترتّب عليه . ولعلّ معاجم المصطلحات الفلسفية ترفدنا ببعض التحديدات التي يمكن أن نستفيد منها في إخراج أبعاد جديدة لمصطلح الحرّية . فقد ورد في « معجم لالاند » أن الحرّية هي « انعدام الموانع والعوائق » . أما في « المعجم الفلسفي لجميل صليبا » فإنّ الحرّية « هي قدرة الإنسان على تساوي الإمكان في الفعل وعدم الفعل » ؛ أو كما يقول الديكارتيون والمدرسيون « حرية الاستواء أو عدم الاكتراث » ؛ أو كما يقول أبو حيّان التوحيدي « إرادة تقدّمها رويّة مع تمييز » . هذه التحديدات جميعا تكاد تقصر معنى الحرّية ضمن إطار مفهوم الاختيار . بيد أن كل ذلك يجعل من الحرّية اضفاء ناقصا من اضفاءات الحرّية . فالحرّية ليست تحديدا سلبيّا ، وليست جوازا ونجاة من أحوال القسر ، بل هي فعل ناجع يجمع هذه الحدود ويجعلها ضمن مشروعه الموضوعي حيث يطرحها جانبا ويحوّلها إلى إمكانات حقيقية تساهم في فعل ما هو حرّ . فالحرّية ليست حصيلة توازن بين معطيات تتوخّى إبطال تأثيرها ، بل هي القدرة الأساسية والجذرية على إبطال كل تأثير . إنها ليست اختيارا فقط ، بل إن الاختيار هو ظاهرة من ظواهر الحرّية . هذا المفهوم للحرّية لا يفضي إلى نوع من الحرّية المطلقة ، بل إلى نوع من الحرّية الجذرية المتعلّقة بالفاعل . هذه الحرّية عبّر عنها الفيلسوف الوجودي « كارل ياسبرز » في نهاية الأمر بأنها « لا تدرك أو تفهم بعمليات فكرية موضوعية ، إنني واثق أنها موجودة ليس بفكري بل بوجودي ، ليس بتأمّلاتي حولها وبحثي عن معنى لها ، ولكن بأني أعيشها » . هذا ما آل إليه مصطلح حرّية في الفكر الحديث . ب - أما في العربية فإن تاريخ استعمال هذا المصطلح إنما يعود حتى إلى ما قبل الإسلام حيث اعتبر الحرّ نقيضا للعبد . وبقي هذا المعنى سائدا بعد الإسلام مع استخدامه في معان أخرى . وقد ورد في لسان العرب : « مصدر من حرّ يحرّ إذا صار حرّا والاسم الحرّية » . كل هذه الاستخدامات لمصطلح حرّ وحرّية في اللغة العربية لا تقطع بقيام صلة بينه وبين المضمون الحديث الذي انته إليه . فهل أخذ هذا المفهوم بعدا جديدا عند العرب اليوم بخلاف الأبعاد والمضامين التي أوردناها ؟ ما أوردناه أولا عن معنى الاختيار عند المعتزلة من المتكلّمين قد يحايث بعضا من مضمون مفهوم الحرّية في الغرب اليوم ، سيّما إذا استندنا إلى ما يقال في هذا الإطار من أن الحرّية ليست « قدرة مطلقة يمكنها الاستغناء عن أي مرجع » ، أو كما عبّر عنها « ريمون رويه » « R . Ruyer » : أما الحرّية العفوية المحضة ، حرّية الاختيار المطلق أي بدون وجود ما يختار . . . فإنها تبدو حقّا بأنها ليست سوى مفهوم زائف معار . . . فالفاعلية القدرية حرّة لأنها ليست نتيجة